محمد أبو زهرة

2133

زهرة التفاسير

وفي كل هذه الأمور التي كانت بعد قتل أخيه ما يثير العبرة ، وإذا كان الغراب قد أراه كيف يوارى سوأة أخيه ، فإن ضميره قد استيقظ ، وأصبح لا يستطيع كيف يوارى سوأة فعله التي فتحت باب القتل والقتال إلى يوم القيامة ؛ ولذلك صرح القرآن بأنه اعتراه الندم ، ولكن في غير مندم ؛ لأن الجريمة قد وقعت ، ولا منجاة منها ؛ ولذلك قال سبحانه : قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي . أخذ القاتل تعتريه الحسرة بعد الفعلة التي فعلها ، واكتسب بها ذلك الجرم الشديد البليغ الأثر في هذا الوجود ، وقد كانت حسرته للفعل الذي ارتكبه ، للعجز الذي لحقه ، ولصغر نفسه أمام الطائر ، وهو الذي أبى واستكبر ؛ لأن الله قبل قربان أخيه ، ولم يقبل قربانه ، وطغى على أخيه وتجبر . والويلة والويل البلية والفضيحة ، والألف في قوله تعالى : يا وَيْلَتى ، هي مقلوب ياء المتكلم ، مثل الألف في قوله تعالى : . . . يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . . . ( 84 ) [ يوسف ] . والمعنى يا « يا ويلتي » أي يا فضيحتى وبليتى أقبلي فهذا وقتك ، لأنى قد نزلت بي أسبابك ، وهذا النداء يستعمل للتحسر وإظهار الألم النفسي ، وإن هذه البلية والفضيحة اللتين نزلتا به ، ويتحسر منهما ، ويناديهما ، وهما بين جنبيه انبعثا من قلبه ، ومن فعلته التي فعلها ، ومن جهله وغبائه ، وعدم التفاته إلى ما يجب عليه بالنسبة لجثمان أخيه الذي كان سببا في جعله جثة هامدة ، بعد أن كان لسانا نقيا وقلبا تقيا ، وأخا مباركا . وقد صور جهله بهذا الاستفهام التقريرى الذي يصور جهله ، وغفلته وحسرته ، وقد حكاه الله تعالى عنه بقوله : أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي . والمعنى : أنه يقرر عجزه عن أن يكون مثل هذا الغراب ، ولكنه قال ذلك بصيغة الاستفهام للتقرير والتثبيت وللحسرة على ما وقع منه ، وللأسى والألم ، ولذلك عبر باللفظ أَخِي الذي كان يوجب المودة والمحبة بدل الحسد ، وما أدى إليه من قتله ، وشطر لحمه ، وهو جزء أبيه ، فقال سوأة أخي ، وحسرته ليست